السيد محسن الأمين
98
أعيان الشيعة ( الملاحق )
الآيات كما مر في عبادتهم الأصنام وانها غير طلب الشفاعة وانهم طلبوا الشفاعة من الصنم الذي هو حجر لا من الصالح الذي ذلك الحجر على صورته وكون بعض الأصنام المعبودة كانت على صورة موهومة لرجل صالح لا يوجب ان يكون الصادر منهم مجرد التشفع برجل صالح ولا يرتبط به ولا يستلزمه بشيء من وجوه الاسلتزام [ الاستلزام ] فجعله طلب الشفاعة من الصالحين رجوعا إلى عبادتهم التي زعم أنه تعالى ذكرها في كتابه قريب من الهذيان فالملائكة والأولياء وان ثبتت لهم الشفاعة كما سبق الا ان من سألهم الشفاعة والاستغفار له لا يكون عابدا لهم ولا يزيد على من يسال أخاه الاستغفار له والذين أشركوا من العرب بعبادتهم الملائكة لم يشركوا بطلبهم منهم الشفاعة بل اتخذوهم أربابا وقالوا إنهم بنات الله كما مر . ثم إن ابن عبد الوهاب صرح فيما يأتي في فصل الدعاء والاستغاثة بان طلب المقدور من غير الله تعالى ليس شركا ولا محرما وانما الموجب للشرك ان يطلب من غير الله ما لا يقدر عليه الا الله وحينئذ فمنعه من طلب الشفاعة من النبي ( ص ) مع اعترافه بان له الشفاعة وانه يقدر عليها ولو بعد الاستئذان من الله تعالى وانه الشفيع المشفع تناقض ظاهر كما سيأتي بيانه وما الذي فرق بين الشفاعة وغيرها حتى منع الله تعالى من طلب الشفاعة من غيره وان كان قادرا عليها وجوز طلب الدعاء من المؤمن الذي هو مثلها وغير ذلك مما يقدر عليه هل هو الا نسبة التحكم إلى الله تعالى والعبث تعالى الله عن ذلك . ( أما ) كلام ابن تيمية في رسالة زيارة القبور الذي فتح به هذا الباب للوهابية بقوله : وان قال انا اساله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي وجعله التشفع والتوسل إلى الله كما يتوسل إلى السلطان بخواصه من أفعال الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم شفعاء والمشركين وعبدة الأصنام الذين قالوا ما نعبدهم الا ليقربونا واستشهاده على ذلك بآيات الشفاعة وزعمه انه تعالى بين الفرق بينه وبين خلقه ففساده أوضح من أن يبين بعد ما أثبت الله الشفاعة رأفة بالمذنبين من عباده ليتسببوا إلى نيل رضاه وعفوه وجعلها لمن يكرم عليه من أنبيائه وأوليائه كما يستشفع ويتوسل إلى السلطان بخواصه ومن يكرم عليه لكن السلطان يقضي حاجته رغبة أو رهبة أو حياء أو غير ذلك والله تعالى يقضي حاجته كرما ورحمة ورأفة ولا ينافي ذلك كونه لا يشفع عنده أحد الا باذنه وان الأمر كله له والذين أخبر الله عنهم انهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله لم يكن ذلك لأجل طلبهم منهم الشفاعة بل إنهم أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم كما جاء في بعض الأخبار فهو نظير قوله تعالى : ( اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ) * والذين عبدوا الأصنام وقالوا هؤلاء شفعاؤنا تشفعوا بأحجار لا تعقل ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع فذمهم الله تعالى بقوله : ( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ ) وبين وجه ذمهم بقوله : ( أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ) فجعل التشفع بأنبياء الله وأوليائه الذين يعقلون ويملكون امر الشفاعة حيث إنه تعالى جعل لهم الشفاعة وملكهم أمرها وأذن لهم فيها كالتشفع بالأصنام التي لا تعقل ولا تملك شفاعة جهل محض . ( وما بينه ) ابن تيمية في تفسير ( لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً . ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ . مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) من الفرق بين الشفاعة 98 عند الله وعند خلقه يبطل استدلالهم بآية ( لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ) على عدم جواز طلبها من غير الله لأنه ذكر في وجه الفرق ان عادة الناس ان يستشفعوا إلى الكبير بمن يكرم عليه فيقضي حاجته رغبة أو رهبة أو حياء أو مودة أو غير ذلك والله تعالى لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع فلا يفعل الا ما شاء الله وشفاعة الشافع من إذنه والأمر كله له فهذا معنى ان الشفاعة كلها لله لا انه لا يجوز طلبها من غيره . هذا مع دلالة جملة من الأخبار على جواز طلب الشفاعة من النبي ( ص ) وغيره في دار الدنيا لأمور الدنيا والآخرة فعن صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس عن النبي ( ص ) ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا « 1 » الا شفعهم الله فيه . وعن صحيح مسلم عن عائشة عن النبي ( ص ) ما من ميت يموت يصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة كلهم يشفعون له الا شفعوا فيه وهذان الخبران يدلان على جواز الشفاعة في الدنيا من آحاد المؤمنين وانها لا تختص بالآخرة ولا بالأنبياء فهل إذا أوصى رجل جماعة من إخوانه أربعين أو مائة ان يقوموا على جنازته ويشفعوا فيه أو يصلوا عليه ويشفعوا فيه يكون مشركا وآثما مخطئا عند محمد بن عبد الوهاب واتباعه لأنه طلب منهم الشفاعة وخالف قوله تعالى فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً كما يكون طلبها من النبي ( ص ) كذلك سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم . ( وعن الترمذي ) عن أنس سالت النبي ( ص ) ان يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل قلت فأين أطلبك قال أولا على الصراط قلت فإن لم القك قال عند الميزان قلت فإن لم القك قال عند الحوض فاني لا اخطي هذه المواضع ( فهذا ) انس قد طلب الشفاعة من النبي ( ص ) في دار الدنيا ولم يطلبها من الله كما يريد ابن عبد الوهاب وأقره النبي ( ص ) على ذلك أفهل كان انس بذلك آثما ومشركا والنبي ( ص ) لم يسمع بقوله تعالى لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً . فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ولذلك لم ينه أنسا عن طلب الشفاعة منه أو سمعه النبي ( ص ) ولم يفهم معناه وفهمه محمد بن عبد الوهاب واتباعه لأنهم اعلم بكتاب الله تعالى من رسول الله ( ص ) وأصحابه . وقد طلب سواد بن قارب وهو من الصحابة الشفاعة من النبي ( ص ) بقوله كما سيأتي في الفصل الثالث في التوسل : فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة * بمغن فتيلا عن سواد بن قارب ولم ينكر عليه رسول الله ( ص ) ولم ينهه ولم يقل له لم طلبت الشفاعة مني ودعوت غير الله فاشركت مع أن الشفاعة كلها لله ولا يجوز ان يدعى أحد مع الله فادع الله واطلب الشفاعة منه وقل يا الله شفعه في كما يقوله ابن عبد الوهاب . وفي السيرة الحلبية عن ابن إسحاق في كتاب المبدأ ان تبعا الحميري آمن بالنبي ( ص ) قبل مولده وكتب كتابا فوصل إلى النبي ( ص ) بعد مبعثه وفيه وان لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني وان النبي ( ص ) قال مرحبا بتبع الأخ الصالح ثلاث مرات ( انتهى ) ولو كان هذا شركا وكفرا
--> ( 1 ) بناء على إشراك جميع المشركين يلزم ان يكون الأربعون من أعراب نجد حتى تقبل شفاعتهم .